الاثنين، 27 نوفمبر 2017

قصة رصيف نمرة 11 حلقة (2) بقلم / على حزين

حلقة (2 )
قصة قصيرة .. بقلم / علي حزين
" رصيف نمرة " 11 "... "
***********************
" وقفنا أمام عنبر المستجدين .. في صفوف ثلاث .. ننتفض كالعصافير المبلولة من شدة البرد .. والأسنان تصطك .. يُسمع لها صريراً.. والشويش "فراج"يلقى علينا التعليمات.. في حزم , وقوة.. بصوت أجش
- كل واحد منكم , يتأكد من تمام مهماته.. ويضعها في مخيلته .. واتبعوني في صف واحد .. معكم خمس دقائق , من الآن فقط , لتفعلوا ذلك , هيا.!. 
أذكر يوم ما أقلتنا عربة المشروع .. ودلفت بنا في قلب الصحراء .. حينها انتابني شعور غريب وغامض .. فأنا لأول مرة في حياتي أشعر بالغربة.. وأبعد عن بلدي .. وأهلي , ومسقط رأسي .. وكانت تلك هي المرة الأولي .. التي أري فيها الكثبان الرملية .. موزعة علي مرمى البصر .. بطريقة هندسية الشكل .. لترسم لوحة فنية , لا تضاهيها يد فنان .. وكان الجو شتاءً .. وكنا في أول يناير .. و في عز طوبى .. وكنت أتصفح الوجوه الشابة .. التي ركبت معي , وقد رسمت عليها أشياء غامضة .. وغريبة .. تشبه غموض الصحراء .. وكنت أنظر من النافذة .. لأتابع قرص الشمس البرتقالي .. وهي تسير بمحاذاة العربة .. لتستتر خلف الجبل في هدوء .. وتغيب في بطء .. والكثبان الرملية منتشرة هنا وهناك .. بطريقة رائعة ومدهشة .. ومبدعة .. وكأن يدي القدر بعثرتها في المكان.. لتشكل لوحة فنية رائعة وممتعة .... لتكون منظر جميل ومدهش . ومبهج للعيون.. قليل من السير بالعربة.. تظهر المدافن مشطورة على جانبي الطريق .. يطل منها وجه الفناء .. ورائحة الموت .. وعالم الغيب البعيد .. لتطفي علي المكان , جواً ملئ بالهيبة والرهبة , وربما الخوف أيضاً .. 
وما إن وصلت عربات الأتوبيسات مركز التدريب .. حتى وقفت قليلا .. أمام البوابة الحديدية العتيقة , للتفتيش .. صعد نفر كثير.. يرتدون الزى المموه , والكآب الزيتي , وشارة أمن حمراء على أكتافهم ..أوقفونا صفين , صفين , وبدئوا في التفتيش , وأنا وأقف مستسلم لهم تماماً , وقد تركت بصري يسبق قدماي للدخول إلي المعسكر.. لأتجول , وأستكشف المكان .. شاهدت على البوابة ثلاثة نفر.. واقفون بالشَّدة والخوزة .. والسلاح متقاطع على صدورهم .. وعلى اليمين قليلاً , سجن صغير , عبارة عن غرفة واحدة ــ عرفت ذلك فيما بعد ــ بجواره مكان عبارة عن " جنينة " لاستقبال الزيارات .. ومباني موزعة بطريقة عشوائية.. ومنشات مجهولة الهوية بالنسبة لي .. والأشجار قد ملأت المكان .. أغصانها تلهوا مع الريح .. وكأنها ترفض الانحناء إلا لخالقها سبحانه وتعالى .. والهواء يعبث بالأوراق.. وكان الجو شتاءً .. والليلة قارصة , والنهار يوشك أن يسلّم الليل .. أخر موقع ضوء له .. ليحل المساء بعباءته الرمادية .. وبرد الشتاء يصفع وجوهنا بلا رحمة.. ويكاد يجمد أطرافنا .. ويتسرب بداخلنا , ليسكن تحت مسام الجلد .. ونحن نسارع الخطى إلى مكتب الأفراد.. بعدما صفونا في طابورين متوازيين.. مررنا بمكتب العميد .. ثم بأرض الطابور .. ثم قاعدة المحاضرات .. ثم الميز .. ثم عنبر المستجدين .. يقدمنا الشويش" فراج " وخلفنا عساكر ألأمن .. يثرثروا مع ذويهم من بلدهم .. وأخيراً وقفنا إمام مكتب الإفراد .. ساعتان أو يزيد , لا اذكر بالضبط كم مضي من الوقت , ونحن واقفون .. لكن كل الذي أذكره .. أننا بالتأكيد وقفنا وقتا طويلا .. بعدها تزمجر بعضنا ..ثم علت أصواتنا .. واحتج بعضنا , واعترضنا على وقوفنا في الطل ,والهواء البارد , والصقيع .. دون شفقة تأخذهم بنا أو رحمة .. فأمرونا بالجلوس فى أماكننا القرفصاء على الأرض, وفى صمت وإنتظام , وانضباط عسكري .. لنسمع اسمينا من الداخل.. وظللنا هكذا حتى انتصف الليل .. ثم انتقلنا إلى مخزن المهمات .. جلسنا شبه دائرة ليوزع علينا مهماتنا الميري .. في صمت .." 
يوم ضاع من الأجازة .. لا بأس.. فما زال أمامي سبعة أيام كاملة بلياليهم ..سبعة أيام بالتمام والكمال.. سأفعل فيهم الأفاعيل.. وأسوى فيهم الهوا يل .. سبعة أيام ملكي أنا وحدي فقط ..أنام براحتي , واصحي على كيفي ..أقرأ.. أكتب .. أتنزه .. أزور الأهل .. والأصدقاء .. أذهب إلى النادي .. والى أى مكان أريده.. فأنا من ألآن .. إلى أن تنتهي الأجازة , حر طليق كطير في السماء .. ومعي تصريح بهذا .. شعرت برغبة ملحة في لكلام .. والتحدث مع احد , أي أحد .. حتى اخرج من هذا الصمت .. ووحش التفكير الذي ينهش في عقلي .. تذكرت صديقي الذي جاء معي .. بحثت عنه ألتفت نحوه.. كان لم يزل يغط غطيطاً .. وهو نائما ..هززت كتفه بعنف .. فتح عينيه الغائرة .. مذعوراً .. فزعاً .. هدئت من روعه .. أخبرته برغبتي في الحديث معه .. حدق فيّ بصره برهة.. ثم نفخ في وجهي بضجر.. وهو يمسح وجهه بيده , متبرم .. عدل من وضعه .. سألني عن الساعة في يدي ..؟. وعن القطار ..؟ .. وهو يفرك عينيه.. . 
هل قام من المخزن أم لا ..؟.. فأخبرته بأنه باقي عليه القليل .. رمى عينيه في الفضاء البعيد .. وكأنه يفكر في شيء ما عنى له.. ثم هز كتفيه.. وأغمض عينيه , وعاد إلي ما كان عليه مرة أخري .. بعدما عدل من جلسته .. وراح يستدعى النوم من جديد .. وهو يقول لي في خمول وكسل , وتراخي مع تثائب....
- طاب سيبنى أنام شويه ... وبعد ي ن ..نــ ..كـ ل..م.!!
- ........... !!!
ابتسمت في نفسي .. استرخيت علي الكرسي .. وقبل أن أغمض عينيَّ .. في محاولة يائسة .. لاستدعاء النوم مثله .. تسلل إلى إذني .. صوت ناعم كالحرير .. ورقيق كنسيم البحر .. تنبهت.. بحثت عن صاحبة الصوت.. الذي ينبعث من المقعد الخلفي .. لتسألني بنبرة مطربة بعض الشيء
- لو سمحت القطار سيقوم أمتي ...؟ 
التفت إليها بسرعة البرق والضوء معاً .. لأتعرف على صاحبة الصوت الحريري الملائكي .. فرأيتها وكأنها حورية فرت من الجنة.. لتجلس خلفي .. غادة حسناء تبدو في مقتبل العمر .. متوردة الخدين .. كستنائية الشعر .. عيناها عسلية .. وجهها بدر مدور .. ليس دونه سحاب .. الرقبة كُوْز من الإبريز الخالص .. أنفها منتصبة .. فمها ياقوت مكسر .. 
يعجز القلم عن وصفها , فجمالها يفوق الوصف , شكرت ربي أن أرسلها إليّ في الوقت المناسب .. فهو أعلم بما في داخلي .. 
- لو سمحت متى سيقوم القطار ....؟
بحركة سريعة , وعفوية .. أغلقت الراديو الصغير.. ووضعته في جيب الزنط , الزيتي الكورى .. وأنا لم أزل معلق عينيَّ في وجهها الذي يشبه الحديقة الغناء .. ودون أن أنظر إلي ساعة يدي .. أجبتها بسرعة ..
- الساعة السادسة ونصف تقريبا .. ...
شكرتني بابتسامة رقيقة , أخرجتها من شفتيها الصغيرة .. أضاءت وجهها كالمصباح .. الضاحك المضيء كالبلورة.. ورمتني بنظرة فاترة ساحرة.. اخترقت سويداء قلبي كالسهم .. وأدارت عقلي كالخمر.. وهي تسكن بعض خصلات شعرها الثائر خلف إذنيها.. ثم عادت لترتب شؤونها .. وأنا أنظر إليها في انبهار , وأنا غير مصدق ما أرى .. سألت نفسي في نفسي 
ــ "ما هذا الجمال المبهر, الذي يأخذ القلوب , ويخطف الأبصار.. ويذهب بالألباب..؟ ".. بصعوبة بالغة استطعت تحويل عينيا عنها , أدرت وجهي للإمام .. وأنا أتمنى أن تسألني مرة أخرى , وأخرى ورآها .. حتى أتمتع بالنظر إلى وجهها الجميل.." فلتسألني مثلا عن القطار..؟ والوقت الذي سيقطعه القطار ليصل..؟ والمسافة التي سيستغرقها القطار .؟ .. أو حتى تسألني عن صديقي هذا النائم بجواري ؟..عن أي شيء.. أي شيء .. ؟.المهم أن تسألني والسلام , وأنا أجيب .. المهم تسألني .. لأسمع صوتها العذب .. الذي يشبه قطعةٍ موسيقية.. من موسيقي بتهوفن " ألأسطوانته الخامسة ".. أو مقطع من موسيقي " مونامور ".. كل هذه الأشياء وغيرها دارت بخلدي للحظة .. وانأ أستدير بوجهي , في محاولة يائسة لخلع عيناي من على وجهها الأبيض كالبن الرائق., ورحت أسبح في بحور من الخيال .. أما هي فكانت من حين لأخر.. تنظر إليّ باستغراب .. وعلى وجهها ابتسامة فاترة .. تعلوها حمرة الخجل , والحياة.. مرسومة في عيناها علامة تعجب عريضة, وشيء من الاندهاش .. والإعجاب لما رأته من تأثير جمالها عليَّ ..
" وكأن بعينيها قوة مغناطيسية هائلة .. تشدّني من أخمص قدمي إلي مفرق رأسي , وتجذب كل ذرّاتي إليها .. فلا أستطيع انفكاكا من سطوة جمالها الفتان.. أو مقاومة .. أرقبها وهى تهرب بعينيها خارج النافذة .. لتحط كحمامتين جميلتين فوق الوجوه الناظرة إليها , والمقبلة صوب القطار .. وكأنها تنتظر شخصاً ما .. وكان الوقت يمر ببطء.. وهي تنظر إليَّ من حين لأخر.. ثم تنظر خارج القطار .. وبداخلي شعور أكيد .. بأنها سوف تسألني مرة أخري .. لكنى تعهدت بيني وبين نفسي .عندما تسألني مرة أخرى.. لم , ولن أدع الفرصة تفلت من يدي .. وتمر مرور الكرام , 
لن ادعها دون أن أغتنمها , وانتهزها .. سأجعل من السؤال حواراً .. ومن والحوار موضوع .. ومن الموضوع قصة .. وحكاية تطول .. وتمتد , بطول ساعات السفر.. والليل الطويل , حتى نصل .. لكنها الآن شاردة الذهن .. صامته , مطرقة , وهي تهز رجليها هزات متتالية في توتر , وقلق .. وتفرك يديها من حين لأخر في حيرة وانتظار, وقلق, وكأنها تترقب أحداً , تقرض أظافرها من حين لأخر.. في شرود ذهني.. وكأنها تفكر في شيء ما... و طال انتظاري .. تململتُ .. افتعلتُ صوت سعال .. لعلي أخرجها من شرودها .. عقلي المريض خيل لي , بأنها تفكر في طريقة ما .. لتبدأ الحوار معي .. أو في سؤال أخر , تريد أن تسأله ليّ .. ودار في نفسي حوار عنيف .. ؟ . 
ــ " هل أبدأ أنا معها الكلام ..؟ .. أم انتظر..؟..وأن بدأت أنا .. ترى عن أي شيءٍ سأتكلم ...؟ وعن أي شيء سأتحدث معها ..؟ .. أأسألها عن سر صمتها الرهيب ..؟.. وتوترها الشديد , واضطرابها المتزايد .. أم عن ماذا يا تري ..؟ .. وما عسيَ أن اسألها ..؟!! أأسألها عن سر الحزن الساكن في عينيها ..؟ والذي يملأ وجهها الملائكي الجميل , الهادئ وعيناها ذات البريق الأخاذ .. والسحر الأسطوري ..؟.. أم تري أأسألها عن سر عدم اهتمامها بي .؟. !! .. وعدم مواصلة الحديث معي .. ؟.. أم عن وجهتها أسألها ..؟.. وإلى أي البلاد تنتمي .. ؟؟.. وعدت اسأل نفسي .. ترى ما سر اهتمامي بها ..؟ وما الشيء المختلف الذي فيها .. حتى جعلتني أهتم بها ..؟!! .. والى هذا الحد الذي جعلني أفكر فيها هكذا.؟!!.. والى هذه الدرجة التي جعلتني مشدود نحوها بخيوط غير مرئية , ومنجذب , ومنسحب إليها كقطعة من الحديد الصغير نحو مغناطيس كبير ..؟؟.." 
عدت إلى نفسي ألومها .. وأوبخها تارة , وأعنفها أخري , على كل هذا الخبل , والجنون الذي دار برأسي ..!!..." هل جننت ..؟!! .. كيف سمحت لنفسي بأن أفكر فيها بهذه الطريقة البلهاء .. السخيفة ..؟!!.. أمن اجل سؤال عادي جدا , وعابر.. كان من الممكن أن تسأله لزيد أو عمر من الناس .. أو لأي أحد غيري .. أهتم بها كل هذا الاهتمام الغير مبرر.. والغير منطقي أيضاً .. يبدو أنى أعطيت الموضوع .. اكبر من حجمه الطبيعي .. " 
نبهني صوت "الكمسارى" .. الواقف فوق رأسي .. وهو يهز كتف شاب .. مكوم فوق احد الرفوف من شدة الزحام .. مددت له التذكرة الخضراء .. التقطها بحنكة ودربة متناهية النظير.. قربها من نظارته المقعرة .. وضع البطارية الصغيرة .. المعلقة في عنقه عليها ونظر.. فتح دفتر صغير, نقل منه شيئا ما.. وكتب شيئاً خلف التذكرة الخضراء .. ربما يكون رقم التذكرة.. أو ربما يكون التاريخ .. أو رقم الاستمارة ..أو شيئا أخر لا أدريه .. ثم دفعها إلي بتأفف .. وهو يعبث بياقته وينتظر ريثما يخرج الشاب ــ الذي مازال فوق الرف ــ نقوده من جيبه .. يدفعه بيده .. يحثه على الإسراع وعدم التلكع.. يدس يده في جيبه .. يعبث بالعملات المعدنية.. ثم يخرجها , ليضبط المنديل الذي وضعه خلف عنقه.. حتي يمتص عرقه المتساقط .. يهزه مرة تلو الأخرى .. وهو يقول له : 
ــ " خلصني "
يقولها وهو يهزه من ساقه .. يمر أحد الباعة من إمامه.. يبتسم له ابتسامة عريضة.. بلهاء .. لا يأبه به , ولا يكترث له .. وهو يمرق من وسط الزحام .. قائلاً له : 
ــ أهلاً حضرة الريس 
ـ يا لله سندوتشات للـهــ يأكل ..؟.. بيض .. وعيش .. وجبنة ..
يبتسم له الشاب وهو يمد له ورقة بمائة جنيه .. وهو يغالب النوم بعيناه .. يأخذها الكمساري بسرعة البرق , يفردها .. ينظر فيها .. يفركها .. حتى يتأكد انها غير مزورة .. يدعها في قلب الدفتر الصغير .. يرتب الأوراق المالية بطريقة عجيبة.. يفر بعض الأوراق الصغيرة الصفراء , والحمراء التي في الدفتر .. يقلبها.. يكتب خلفها شيئا ما .. وهو يبتسم .. يضع القلم .. فوق أرنبة إذنه .. يغيب يده في جيبه الأزرق.. يخرج قبضة من العملات , المعدنية يعد له ما تبقى من نقود.. وهو يسأله ..
- رايح فين ..؟ 
- .................
يصفر القطار .. فيتجاوزنا الكمساري بسرعة .. بعدما يكون قد أعطي التذكرة للشاب .. ثم يشق الصفوف .. بدربة فائقة .. وبطريقة غريبة.. حتى يصل إلى الباب الواقف خلفه بعض الركاب .. الذين ركبوا تواً.. يقطع لهم التذاكر .. وأنا أتابعه باهتمام .. يأتيني صوت الفتاة .. يسألني من جديد ...؟
- لو سمحت القطار سيقف على أي رصيف ؟؟ 
- .... رصيف رقم " 11 "........
هزت رأسها .. لتشكرني من جديد .. وعلى وجهها نفس الابتسامة .. وفى عينيها نفس النظرة .. وكلام كثير غامض .. لم افهمه .. ألصقت ظهري بالكرسي .. وعيناها الواسعة في عيناي .. أقنعت نفسي بعدم الاهتمام بها .. أو التفكير فيها مرة أخري .. لكن وعلي حين غفلة مني .. أفرغت كل ما بداخلها .. من غموض , وحزن , وقلق , وتوتر بداخلي .. التفت إلى صديقي , النائم بجواري , وقد استيقظ من نومه .. فجأة كالمذعور.. وقد انتشرت على صفحات وجهه ابتسامة خبيثة .. أعرفها جيدا.. وكأنه يلومني .. لما لا أيقظه .. غمز لي بعينه ..عدل من جلسته .. تثاءب .. فرك عينيه بيديه.. مدهما في الهواء.. تمطي .. وانأ أخرج علبة السجاير .. أشعلة سيجارة ماركة محلى " كيلوباترا " سحبت نفسا عميقا .. حبسته في صدري برهة.. ثم أطلقته في الهواء .. وعدت في استرخاء .. أنظر للفضاء البعيد .. وعواميد النور.. واللافتات.. والمباني .. والعربات, والناس .. وهي تغدو وتروح.. أدس يدي في جيبي .. أتحسس تسكره السفر .. القابع خلفها التصريح .. لأتأكد أنها لم تزل في جيبي .. أُخرجها مرة أخري .. اقرأها للمرة الــ ...... " يصرح للمذكور .... بالغياب من الوحدة العسكرية ..... بتاريخ ..... إلي تاريخ ....... " 
لا أدري لماذا حضرت .. في رأسي الآن .. صورة أمي الحبية .. وهي علي سطح بيتنا .. " تطعم طيورها الصغيرة .. وقد جلست في مكان ما .. وقد مدت رجليها تلتمس الدفء من شمس الشتاء .. وقد نشرت شعرها الأسود الجميل .. لتمشطه علي بشكيرها الأبيض ..الذي كانت تلف به رأسها .. وهي تغني للطير المسافر .. والحبايب الذين رحلوا عنها .. وأنا أتطلع في وجهها الذي لم يستطع الزمن ..أن ينال من جماله إلا القليل .. وكنت أحب أن اجلس لجوارها .. استمع لحكاويها الجميلة .. فهي دائماً تحب أن تحكي ليّ قصتها مع أبي .. وتذكر كيف تزوجها .. أذكر مرة سألتها .. وأنا طفل صغير .. سؤال برئ .؟ 
ــ ليه يا أمي تزوجتي بأبي ...؟!!
أشرق وجهها بابتسامة خفيفة .. اتكأت بظهرها على حائط الفرن البلدي .. صمتت هنيهة .. وراحت تسبح في عالمها الذي لم أره .. حتى ظننت بأنها لن تجيبني عن سؤالي الفضولي ..الأ أنها فاجأتني بالإجابة .. بعدما عدلت من جلستها .. وابتسمت ,
يتابع ....

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق