تدور دورة الزمان ، ليجد عباس العقاد نفسه – شاعرًا وناقدًا وأديبًا ومفكرًا – في مواجهة موجة شابة تحركت منذ ما قبل ثورة يوليو 1952 – واشتدت فيما بعدها – تسعى إلى تجديد الشعر العربي والأدب عمومًا ، على غرار الموجة التي تزعمها العقاد في شبابه لتقويض شاعر العربية أحمد شوقي ، تحت لواء التجديد الذي كان العقاد آنذاك يبشر به ..
فكان الشاعر الشاب – آنذاك – صلاح عبد الصبور على رأس الموجة الشابة التي ضربت العقاد الشيخ بدعوى التجديد ، إذ كان كجيله يجد في العقاد – كما رأى العقاد قبلًا في شوقي – عائقًا جامدًا في سبيل التجديد ..
ومن ثم تصيد صلاح عبد الصبور للعقاد ما يثبت به أنه قد تنكر لموقفه القديم الداعي للتجديد ، إذ ضبط للعقاد رأيًا في الشعر المرسل المتحرر من القافية – أراه من وجهة نظري المتواضعة – شطحة تجديدية واسعة الخيال إذا ما أخذنا في الاعتبار أنها صدرت عنه في زمان لم يكن التجديد في الشعر يتصورها أو يحتملها ..
فها هو صلاح عبد الصبور يعرض دليله الممتع قائلًا :
" في الأعوام الأولى لهذا القرن ( يقصد القرن الماضي ) كتب الشاعر عبد الرحمن شكري بعض القصائد المرسلة التي تتحلل من القافية ، وكتب العقاد عنها يقول إن إسقاط القافية تهيئة لاستقبال المذهب الجديد ، لأن القافية هي الحائل بين الشعر العربي وبين التفرع ، فإذا اتسعت القوافي واتسع القول بزغت المواهب الشعرية ، ووُجِدَ شعراء الرواية والوصف والتمثيل ، وسيأتي يوم تكتفي فيه الآذان بموسيقية الوزن عن موسيقية القافية ، وزاد العقاد أن العرب لا ينكرون القافية المرسلة ونقل أربعة أبيات مرسلة القافية لشاعر قديم " ..
هكذا – من وجهة نظري – دفن العقاد كزارع عظيم بذرة التجديد في تربة الشعر العربي ونسيها ، فلما أخصبت بعد حين ، أنكرها كما ينكر الزارع نبتته من فرط ما بدرت يداه من بذور وافرة في كل أرض خاضتها قدماه المباركة ، وكم خاض العقاد من أراضٍ وبدر بذورًا من الفكر لا حصر لها .
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق