الأحد، 17 يناير 2016

قرار أخير لأسوار العناد *******************

إحدى قصص مجموعتي القصصية الأولى ( قرار أخير لأسوار العناد )
======================================
قرار أخير لأسوار العناد 
*******************
رفض الوالدان زواجها من ابن عمها الذي أحبت فيه شهامة ابن البلد ، و نقاء طباع الريف ، و ذكاء صاحب العلم ، و فراسة ابن الدنيا . كان سبب رفضهما هو ذاك التقرير العلمي لسلبيات زواج الأقارب ، و احتمالية إنجاب أطفال منزوع عنهم بطاقة تحمل هوية انهم أسوياء نتيجة تزواج جينات وراثية فوشمتهم بصفات ليس لهم أي ذنب فيها . عند سماعها قرار رفض أبويها مادت الأرض تحت قدميها ، غيمت سُحب الفراق على سماء عشقها . حاول والدها إقناعها بعذاب مثل هؤلاء الأطفال ، و شقاء أبائهم في تربيتهم بالإضافة إلى إحساسهم بالخوف الشديد عليهم من مجتمع لا يُعاملهم بطريقة لائقة لبراءتهم الممسوخة ، معاناة جنوها من زواج اباء أنانيين لم يفكروا و لو للحظة فيما سيعاني منه أبناؤهم . 
دار جدال كبير بين والديها و بينها ، حاولت إثبات أن كل شئ بيد الله ، و أن هناك أبناء كُثر من ذوي الاحتياجات الخاصة لا يوجد أي صلة قرابة بين والديهم . ظلت ليال طوال تتقلب في فُرش السهد و التفكير .. تكتوي بجمر من نيران تقذفها رعونة قرار والديها ، يحيط بها فراشات ذكرياتها مع حبيبها ، لم يهدأ لها بال حتى اتخذت قرارها الأخير . 
ضربت أسوار العناد لتُحيط قرارها ، تراص الآف من فرسان التحدي في صفوف طويلة أمام مخيماتها يرتدون خوذات من صوان ، و يقبضون على سِنان الصبر . كان لابد من إعلان الحرب على هذيان العلم و عدم خشوعه في ساحة القدر ، و عليها أن تنتصر كي تحافظ على مُقدسات حبها و عهودها مع ابن عمها . ارتفع صهيل المعركة ، سقط حصن تلو الآخر ، و تربعت منتصرة على أشلاء مبررات والديها لرفض هذه الزيجة .
وافق الوالدان على مضض و تم الزواج في حفل مهيب بين زغاريد الأقارب و تراتيل رجاء في مٌقلتي كل من الأبوين . حان موعد ميلاد طفلهما الأول ، خيمت ظِلال الفزع على الآباء ، و هطلت تراتيلهم لاسترحام القدر . مرت الأعوام تفرش أطياف السعادة عليهم مع نمو ابنائهم الأصحاء ، إلى أن أقبل الأخير يطل من مقلتيه بوادر شقاء .
شب الصغير في هدوء بين أخوته و أبويه الحانقين على تمسكهم بالأمل بأن تتحسن حالته دون كلل . تم العشرون عاماً و لا زال في الصف الرابع الابتدائي ، و كلما نظر إلى أقرانه في المدرسة رأى صورته في وجوههم المتشابهة بنفس الأعين الدامعة ، و الأجفان المتدلية ، و الشفاة الباسمة ، و نفس التساؤلات الحائرة بدواخلهم كهدوء يسبق العاصفة . لماذا نحن مختلفون عن الآخرين ؟ لماذا تتشابه ملامحنا ؟ متى سيمحي كف القدر تلك القناعة الماثلة في أذهان المجتمع بأننا مُعاقون ؟ ألن يستجيبوا لدمعة رجاء في مُقلنا بأن يتقبلونا كما نحن و بما نحن عليه ؟ ألن يقنعوا بأنه لا ذنب لنا سوى المجئ إلى دنيا الشقاء بدون ما يُدثر أرواحنا بالهناء ؟ إلى متى سننتظر ؟ إلى متى ؟

سعاد الزامك

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق